حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

449

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

الأرض بالنبات أو بالكراب على البقر فيكون إسناد الفعل إلى السبب . والحب ما يصلح للقوت كالحنطة والشعير ، والقضب العلف بعينه قاله الحسن . وقال أكثر المفسرين : إنه القت لأنه يقضب مرة بعد أخرى أي يقطع . والغلب الغلاظ الأعناق في الأصل يقال : أسد أغلب ، ثم استعير للحدائق أنفسها لتكاثف أشجارها ولأشجارها لعظمها وغلظها . ثم أجمل الفاكهة ليعم الكل وأجمل العلف بقوله وَأَبًّا للعموم وهو المرعى لأنه يؤب أي يؤم وينتجع . والأب والأم إخوان قاله جار اللّه . وقيل : الأب الفاكهة اليابسة المعدّة للبقاء . والفاء في قوله فَإِذا جاءَتِ مثل ما مر في « النازعات » و الصَّاخَّةُ النفخة الأخيرة . قال الزجاج : أصل الصخ الطعن ، والصك صخ رأسه بالحجر أي شدخه ، والغراب يصخ بمنقاره في دبر البعير أي يطعن ، والنفخة لشدّتها تصك الآذان . وقال جار اللّه : يقال صخ لحديثه مثل أصاخ له فوصف النفخة بالصاخة مجاز لأن الناس يصخون لها أي يستمعون . وفرار المرء من الجماعة المذكورين إما بالصورة وذلك للاحتراز عن المطالبة بالتبعات يقول الأخ : ما واسيتني بمالك . ويقول الأبوان : قصرت في برنا . وتقول الصاحبة : أطعمتني الحرام وفعلت كذا وكذا ، والبنون يقولون : لم تعلمنا ولم ترشدنا . قال جار اللّه : إنما بدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه ، والفرار إنما يقع من الأبعد ثم من الأقرب ، وأخر الصاحبة والبنين لأن البنين أقرب وأحب فكأنه قيل : يفر من أخيه بل من أبيه بل من صاحبته وبنيه . وأقول : هذا القول يستلزم أن تكون الصاحبة أقرب وأحب من الأبوين ولعله خلاف العقل والشرع ، والأصوب أن يقال : أراد أن يذكر بعض من هو مطيف بالمرء في الدنيا من أقاربه في طرفي الصعود والنزول فبدأ بطرف الصعود لأن تقديم الأصل أولى من تقديم الفرع ، وذكر أوّلا في كل من الطرفين من هو معه في درجة واحدة وهو الأخ في الأول ، والصاحبة في الثاني على أن وجود البنين موقوف على وجود الصاحبة فكانت بالتقديم أولى . وقيل : أول من يفر من أخيه هابيل ، ومن أبويه إبراهيم ، ومن صاحبته نوح ولوط ، ومن ابنه نوح . والأنسب عندي أن يكون الفار قابيل وقد جاء هكذا في بعض الروايات ، والأظهر أن الفرار المعنيّ هو قلة الاهتمام بشأن هؤلاء بدليل قوله لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أي يصرفه ويصدّه عن قرابته . قال ابن قتيبة : ويقال أغن عني وجهك أي اصرفه . وعندي أن اشتقاقه من الغنى وذلك أن من أغناك فقد صرفك عن نفسه أو عن طلب حاجته . ثم ذكر أن الناس يومئذ فريقان وأن أهل الكمال تلوح على وجوههم أنوار الكمال من أسفر الصبح إذا أضاء يستبشرون بأنواع المسار ، ويضحكون بدل ما كانوا يبكون في الدنيا خوفا من عقاب اللّه تعالى ، وأن أهل النقائص يظهر على وجوههم سواد مع غبرة كوجوه الزنوج مثلا إذا